ابن كثير
270
البداية والنهاية
المعركة سهم غرب يقال رماه به مروان بن الحكم فالله أعلم ، فانتظم رجله مع فرسه فجمعت به الفرس فجعل يقول : إلي عباد الله ، إلي عباد الله ، فاتبعه ولي له فأمسكها ، فقال له : ويحك ! اعدل بي إلى البيوت ؟ وامتلأ خفه دما فقال لغلامه : اردفني ، وذلك أنه نزفه الدم وضعف ، فركب وراءه وجاء به إلى بيت في البصرة فمات فيه ، رضي الله عنه . وتقدمت عائشة رضي الله عنها في هودجها ، وناولت كعب بن سوار قاضي البصرة مصحفا وقالت : دعهم إليه - وذلك أنه حين اشتد الحرب وحمي القتال ، ورجع الزبير ، وقتل طلحة رضي الله عنهما - فلما تقدم كعب بن سوار بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين ، وكان عبد الله له بن سبأ - وهو ابن السوداء - وأتباعه بين يدي الجيش ، يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة ، لا يتوقفون في أحد ، فلما رأوا كعب بن سوار رافعا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجال واحد فقتلوه ( 1 ) ، ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فجعلت تنادي : الله الله ! يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان ، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال : ما هذا ؟ فقالوا : أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم . فقال : اللهم العن قتلة عثمان ، وجعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ ، وجعلت تحرض الناس على منعهم وكفهم ، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الذي فيه علي بن أبي طالب ، فقال لابنه محمد بن الحنفية : ويحك ! تقدم بالراية ، فلم يستطع ، فأخذها علي من يده فتقدم بها ، وجعلت الحرب تأخذ وتعطي ، فتارة لأهل البصرة ، وتارة لأهل الكوفة ، وقتل خلق كثير ، وجم غفير ، ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة ، وجعلت عائشة تحرض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان ، ونظرت عن يمينها فقالت : من هؤلاء القوم ؟ فقالوا : نحن بكر بن وائل ، فقالت : لكم يقول القائل : وجاؤوا إلينا بالحديد كأنهم * من الغرة ( 2 ) القعساء بكر بن وائل ثم لجأ إليها بنو ناجية ثم بنو ضبة فقتل عنده منهم خلق كثير ، ويقال إنه قطعت يد سبعين رجلا وهي آخذة بخطام الجمل فلما أثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالا شديدا ، ورفعوا رأس الجمل ، وجعل أولئك يقصدون الجمل وقالوا : لا يزال الحرب قائما ما دام هذا الجمل واقفا ، ورأس الجمل في يد عمرة بن يثربي ، وقيل أخوه عمرو بن يثربي ثم صمد عليه علباء بن الهيثم وكان من الشجعان المذكورين ، فتقدم إليه عمرو الجملي فقتله ابن يثربي وقتل زيد بن صوحان ، وأرتث صعصعة بن صوحان فدعاه عمار إلى البراز فبرز له ، فتجاولا بين
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : قتله الأشتر . ( 2 ) في الطبري والكامل : العزة .